ابن كثير

344

البداية والنهاية

وعمل عزاء ولدها يوم الحادي والعشرين من ربيع الآخر بالتربة المذكورة ، وحضر السلطان المنصور وأرباب الدولة والقراء والوعاظ . وفي أواخر ربيع الآخر عزل التقي بن توبة التكريتي من الوزارة بدمشق وباشرها بعده تاج الدين السهنوري ، وكتب السلطان المنصور إلى مصر وغيرها من البلاد يستدعي الجيوش لأجل اقتراب مجئ التتار ، فدخل أحمد بن حجى ومعه بشر كثير من الاعراب ، وجاء صاحب الكرك الملك المسعود نجدة للسلطان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الآخرة ، وقدم الناس عليه ووفدوا إليه من كل مكان ، وجاءته التركمان والاعراب وغيرهم ، وكثرت الأراجيف بدمشق ، وكثرت العساكر بها وجفل الناس من بلاد حلب وتلك النواحي ، وتركوا الغلات والأموال خوفا من أن يدهمهم العدو من التتار ، ووصلت التتر صحبة منكوتمر بن هولاكو إلى عنتاب ، وسارت العساكر المنصورة إلى نواحي حلب يتبع بعضها بعضا ، ونازلت التتار بالرحبة في أواخر جمادى الآخر جماعة من الاعراب ، وكان فيهم ملك التتار إبغا مختفيا ينظر ماذا يفعل أصحابه ، وكيف يقاتلون أعداءه ، ثم خرج المنصور من دمشق وكان خروجه منها في أواخر جمادى وقنت الخطباء والأئمة بالجوامع والمساجد في الصلوات وغيرها ، وجاء مرسوم من السلطان باستسلام أهل الذمة من الدواوين والكتبة . ومن لا يسلم يصلب ، فأسلموا كرها ، وكانوا يقولون آمنا وحكم الحاكم بإسلامنا بعد أن عرض من امتنع منهم على الصلب بسوق الخيل ، وجعلت الحبال في أعناقهم ، فأجابوا والحالة هذه ، ولما انتهى الملك المنصور إلى حمص كتب إلى الملك الكامل سنقر الأشقر يطلبه إليه نجدة فجاء إلى خدمته فأكرمه السلطان واحترمه ورتب له الإقامات ، وتكاملت الجيوش كلها في صحبة الملك المنصور عازمين على لقاء العدو لا محالة مخلصين في ذلك ، واجتمع الناس بعد خروج الملك في جامع دمشق ووضعوا المصحف العثماني بين أيديهم ، وجعلوا يبتهلون إلى الله تعالى في نصرة الاسلام وأهله على الأعداء ، وخرجوا كذلك والمصحف على رؤوسهم إلى المصلى يدعون ويبتهلون ويبكون ، وأقبلت التتار قليلا قليلا فلما وصلوا حماه أحرقوا بستان الملك وقصره وما هنالك من المساكن ، والسلطان المنصور مخيم بحمص في عساكر من الأتراك والتركمان وغيرهم جحفل كثير جدا ، وأقبلت التتار في مائة ألف ( 1 ) مقاتل أو يزيدون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وقعة حمص لما كان يوم الخميس رابع عشر رجب التقى الجمعان وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس وعسكر التتر في مائة ألف فارس ، وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلا ، والجميع

--> ( 1 ) في تذكرة النبيه لابن حبيب 1 / 62 : نحو ثمانين ألفا . ( السلوك 1 / 692 - مختصر أبي الفداء 4 / 15 ) .